الشوكاني
10
فتح القدير
لما ذكر سبحانه ما احتج به المشركون وما أجاب به عليهم ذكر اختصاصه بالملك فقال ( ولله ملك السماوات والأرض ) أي هو المتصرف فيهما وحده لا يشاركه أحد من عباده . ثم توعد أهل الباطل فقال ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ) أي المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل يظهر في ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار ، والعامل في يوم هو يخسر ، ويومئذ بدل منه ، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه ، فيكون التقدير : ويوم تقوم الساعة يوم تقوم الساعة ، فيكون بدلا توكيديا ، والأولى أن يكون العامل في يوم هو ملك : أي ولله ملك يوم تقوم الساعة ، ويكون يومئذ معمولا ليخسر ( وترى كل أمة جاثية ) الخطاب لكل من يصلح له ، أو للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والأمة الملة ، ومعنى جاثية ، مستوفزة ، والمستوفز ، الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله ، وذلك عند الحساب . وقيل معنى جاثية : مجتمعة قال الفراء : المعنى وترى أهل كل ذي دين مجتمعين . وقال عكرمة : متميزة عن غيرها . وقال مؤرج ، معناه بلغة قريش : خاضعة . وقال الحسن : باركة على الركب والجثو والجلوس على الركب ، تقول جثا يجثو ويجثى جثوا وجثيا ، إذا جلس على ركبتيه ، والأول أولى . ولا ينافيه ورود هذا اللفظ لمعنى آخر في لسان العرب . وقد ورد إطلاق الجثوة على الجماعة من كل شئ في لغة العرب ، ومنه قول طرفة يصف قبرين : ترى جثوتين من تراب عليهما * صفائح صم من صفائح منضد وظاهر الآية أن هذه الصفة تكون لكل أمة من الأمم من غير فرق بين أهل الأديان المتبعين للرسل وغيرهم من أهل الشرك . وقال يحيى بن سلام : هو خاص بالكفار ، والأول أولى . ويؤيده قوله ( كل أمة تدعى إلى كتابها ) ولقوله فيما سيأتي - فأما الذين آمنوا - ، ومعنى إلى كتابها : إلى الكتاب المنزل عليها ، وقيل إلى صحيفة أعمالها ، وقيل